التعليم في مرحل الطفولة المبكرة في المغرب: نافذة مهمة من الفرص

0
29

آفاق تنمية الطفولة المبكرة في المغرب

نقص برامج تنمية الطفولة المبكرة يؤدي إلى استمرار التفاوت

رغم أهمية جودة تنمية الطفولة المبكرة لجميع الأطفال، فمن الأساسي دعم تنمية الأطفال في البيئات المحرومة. وبالفعل، أظهرت مختلف الدراسات كيف يمكن للاستثمار في تنمية الطفولة المبكرة أن يساعد في الحد من التفاوت وأن يكسر حلقة الفقر.

وكما قال البروفيسور جيمس هيكمان الحائز على جائزة نوبل، “الأطفال الذين ينشأون في بيئات محرومة لا تقل فقط احتمالات نجاحهم في المدرسة أو المجتمع، بل أيضا تتدنى فرصهم في أن يكونوا بالغين أصحاء.” ويمكن لبرامج تنمية الطفولة المبكرة أن تؤدي إلى آفاق اقتصادية أفضل للأطفال بمساعدتهم على اكتساب المهارات التأسيسية التي يحتاجون إليها لكي يكونوا أكثر إنتاجية في قوة العمل المستقبلية.

للتفاوت في إمكانية توفير التنمية الجيدة للطفولة المبكرة أوجه عديدة في المغرب ويعكس فجوات كبيرة بين الأطفال الأكثر ثراء والأطفال الأكثر حرمانا. الخطوة الأولى في تنمية الطفولة المبكرة تقدم الدعم للمساعدة ببساطة في البقاء على قيد الحياة في المهد؛ في المغرب، هناك 25 من بين كل ألف طفل يموتون في الشهر الأول من عمرهم. التغذية، وهي مكون مهم آخر من مكونات تنمية الطفولة المبكرة، تكشف أيضا الفجوات الكبيرة حسبما توضح أرقام عام 2004، إذ تبين أن 23% من الأطفال دون الخامسة من العمر كانوا مصابين بالتقزم و 10% مصابون بنقص الوزن.

وقد زاد تيسير الحصول على التعليم في مرحلة الروضة بدرجة كبيرة على مدى العقود الماضية، إلا أنه يظل ترفا بالنسبة للعديد من الأطفال المحرومين في المغرب. تطور التعليم في مرحلة الروضة على مر السنوات، وبخاصة في المدن وبمبادرة القطاع الخاص، ليقدم بديلا تعليميا لهياكل أكثر تقليدية، تشمل المسجد والكتاب ومؤسسات أخرى.  هذه الهياكل مازالت منتشرة في جميع أرجاء المملكة، وبلغت نسبة الالتحاق بها بين عامي 2015 و 2016 نحو 60%، وتعلم الأطفال مبادئ الإسلام وقيمه الأخلاقية فضلا عن أساسيات القراءة والكتابة والحساب. ونتيجة للتوسع السريع في هياكل مرحلة ما قبل المدرسة (الهياكل التقليدية والخاصة مجتمعة)، زادت معدلات الالتحاق بالتعليم قبل المدرسة بدرجة كبيرة على مدى العقد الماضي (بأكثر من 10% بين عامي 2001 و 2013 بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم من أربع إلى خمس سنوات).

ولكن على الرغم من التقدم في إتاحة الحصول على الخدمات الصحية والتعليم قبل المدرسة، مازال العديد من أطفال المغرب محرومين من الحصول على إمكانيات النمو الصحي الكامل. أولا، مازالت شبكة مؤسسات التعليم قبل المدرسة ضئيلة، خاصة في المناطق الريفية حيث تشتد الحاجة لها أكثر. بين عامي 2015 و 2016، التحق 43% فقط من أطفال المغرب ممن تتراوح أعمارهم بين أربع إلى خمس سنوات بالتعليم قبل المدرسة، مقابل 27.9% فقط في المناطق الريفية. أطفال المغرب الأشد فقرا أقل قدرة على الاستفادة من أنشطة التنمية(16%) بالمقارنة بالأطفال الأكثر ثراء (58%). ثانيا، تتباين بدرجة هائلة جودة التعليم في مرحلة ما قبل المدرسة، فضلا عن أن نقص الآلية الفعالة لضمان الجودة على هذا المستوى يعوق أي تحسينات جوهرية في مستوى الجودة والاتساق.

كما أظهر البحث أهمية مشاركة الوالدين في تنمية القدرات الإدراكية للطفل. ووجدت دراسة أجرتها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن الوالدين اللذان يلعبان ويتحدثان مع أطفالهما منذ الأيام الأولى، واللذان يقرآن لهم الكتب ويساعدانهم في واجباتهم المدرسية، تكون فرص نجاح أطفالهما في الدراسة أكبر. ويندر في المغرب هذا التحفيز الإدراكي من قبل الوالدين، لاسيما في الأسر المحرومة، بسبب تدني مستوى تعليم الوالدين، وكبر حجم الأسر، أو حتى نقص المعلومات لديهم بشأن السلوكيات التي يمكن أن تساعد أطفالهم على النجاح.

المزيد من الاستثمارات في تنمية الطفولة المبكرة عامل أساسي في تنمية رأس المال البشري

كما تأكد في مذكرة البنك الدولي الاقتصادية عن المغرب، فإن دعم تنمية الطفولة المبكرة في المغرب يعد استثمارا أساسيا لتحقيق نتائج أفضل في التنمية البشرية. تنمية الطفولة المبكرة لا يؤثر فقط على التطور الشخصي والاجتماعي والمهني للفرد، بل أيضا يقرر آفاق النمو للبلد كله.

تنمية الطفولة المبكرة مسألة تتعلق بطبيعتها بالعديد من القطاعات. أما والحال كذلك، فإن تنمية الطفولة المبكرة يعتمد على وجود استراتيجية متكاملة متعددة القطاعات وشاملة لتنميتها حتى يمكن تطبيقها بطريقة منسقة وفعالة في مجالات الصحة والتعليم والتغذية والحماية الاجتماعية. وعلاوة على ذلك، فإن التركيز على جودة تنمية الطفولة المبكرة أكثر من مجرد زيادة الالتحاق بالهياكل التعليمية هو عنصر مهم في توفير المناخ التعليمي والإنمائي المساعد في دعم التنمية الشاملة للأطفال، لاسيما أولئك المعرضون لخطر الإقصاء الاجتماعي. 

سيجني المغرب عائدات اقتصادية وبشرية طويلة الأمد من خلال وضع معايير جيدة لرعاية الطفولة المبكرة والتعليم، وهو ما سيحتاج إلى صياغة ومتابعة وتنفيذ في جميع أنحاء البلاد.  هذا بدوره، سيساعد على حماية وتعزيز تنمية الأطفال والتيقن من إتاحة الفرص المتكافئة لازدهارهم بغض النظر عن ظروفهم. في النهاية، فإن زيادة الوعي عنصر مهم لتحقيق نتائج ناجحة في تنمية الطفولة المبكرة: توعية الوالدين ومشاركتهما في تحفيز أطفالهم والتفاعل معهم، ومراقبة مهاراتهم الإدراكية بعناية من المولد وحتى عمر الخامسة هي جزء لا يتجزأ من برامج تنمية الطفولة المبكرة.

الحاجة إلى استثمارات أكبر في تنمية الطفولة المبكرة لا يحتاج إلى تفكير لبناء رأس المال البشري الذي يمكن أن يخدم الأهداف الإنمائية للبلد، وأن يساهم في زيادة الإنتاجية وتحسين الظروف المعيشية للناس.  التعليم، الذي هو ركيزة أساسية لتنمية الطفولة المبكرة، هو أداة أكيدة وراسخة للتنمية البشرية والحد من التفاوت على المدى الطويل.

LEAVE A REPLY