مبادلة صعبة – مساندة تونس في تحسين فهم التعرض لمخاطر العملات الأجنبية ضمن عمليات الدين الحكومي

0
33

انطلقت شرارة ثورات الربيع العربي من تونس، عندما أشعل النار في نفسه شاب يبيع الخضر والفاكهة ويعول ثمانية أشخاص بأقل من دولار في اليوم. وبعد مرور أربع سنوات على الثورات العربية، تبقى تونس هي قصة النجاح الوحيدة في الشرق الأوسط. منذ عام 2011 بدأ الشعب التونسي نقاشا عاما حول قيم الدول المدنية، ومعنى المساواة في الحقوق، وكتب دستورا جديدا يتضمن الضوابط والتوازنات اللازمة لديمقراطية قوية في هذا العقد الاجتماعي الجديد.  

من بين الركائز الأساسية لديمقراطية قوية اقتصاد قادر على تحمل الصدمات، يتقاسم فيه الجميع الرخاء ولا يعيش فيه أي مواطن في فقر يجرده من إنسانيته.

تواصل الحكومة الجديدة في تونس مواجهة التحديات ليس فقط الاجتماعية بل أيضا الاقتصادية. وينبغي عليها أن تحمي النظام المالي من الانهيار بالسيطرة على عجز الموازنة وميزان المعاملات الجارية فضلا عن طمأنة المستثمرين.   وهذه ليست بالمهمة السهلة خاصة أن الاقتصاد التونسي في 2015 شهد المزيد من الصدمات المالية. فقد تسببت الهجمات الإرهابية على قطاع السياحة، والإضرابات العمالية في قطاع الفوسفات وهما مصدران رئيسيان للعملة الصعبة، في انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي 20% في ذلك العام، الأمر الذي أدى إلى انخفاض قيمة الدينار التونسي 24% بنهاية 2016.

فهم مخاطر أسعار الصرف الأجنبي

ومن بين تداعيات انخفاض قيمة العملة زيادة تكلفة الديون المقومة بالعملة الأجنبية، والتي تمثل 65% من إجمالي الدين العام. ولتعويض ندرة الائتمان في السوق المحلية، اقترضت السلطات التونسية من المؤسسات المالية الأجنبية ثم أقرضت الكيانات التونسية بالدينار عبر آلية إعادة الإقراض.     تتم هذه الممارسة من خلال صندوق Fonds de Péréquation des Changes أنشأته الحكومة للتعامل مع أي مكاسب أو خسائر تنشأ عن هذه العمليات.   مع ذلك، ونتيجة لانخفاض قيمة الدينار التونسي، أدت عمليات إعادة الإقراض إلى تدفقات نقدية سلبية وكان لابد من تجديد موارد الصندوق، وكلاهما وضع أعباء إضافية على الميزانية.

في 2014، انضمت تونس إلى برنامج الدين الحكومي وإدارة المخاطر وهو مبادرة أطلقتها وحدة الخزانة التابعة للبنك الدولي برعاية أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية. فبعد الانخفاض الكبير في قيمة الدينار، سرعان ما أصبح فهم وحساب وإدارة التعرض لمخاطر العملات الأجنبية أحد المجالات ذات الأولوية.

وضع منهجية مصممة خصيصا بالتعاون مع الممارسين أصحاب الخبرة

قال أنطونيو فيلانديا رئيس فريق العمل المعني بتونس لدى برنامج الدين الحكومي وإدارة المخاطر”بدأنا ذلك بتوجيه هذا السؤال لأنفسنا: إذا ما كانت مؤسسة تجارية وليس الحكومة التونسية هي الوسيط في هذه العملية،  كم سيكلفون المستفيد النهائي؟”.

وجد فريق البرنامج الخبرة المناسبة لدى وحدة الخزانة نفسها. كانت إدارة الحلول الكمية وتخصيص الأصول الاستراتيجية التي ساعدت ممارسي وحدة الخزانة بالبنك الدولي في إدارة أصول تُقدر قيمتها بنحو 150 مليار دولار للبنك الدولي ومستثمرين آخرين أداة مثالية لتقديم المشورة.    

قال جون خافيير بور، كبير مسؤولي الاستثمار في إدارة الحلول الكمية “الأداة المستخدمة في القطاع المالي لتبادل العملات خلال فترة معينة تسمى مبادلة العملات.  ومبادلة العملات الصعبة بعضها ببعض من أكثر قطاعات السوق نشاطا…  لكن مع غياب سوق لمبادلة العملة الصعبة بالدينار التونسي تعين على الفريق تصميم منهجية خاصة من أجل تقدير سعر عادل”.

أظهرت التحليلات أن سعر صرف الدينار التونسي يرتبط بسلة من العملات الصعبة تتكون من الدولار واليورو والين. وكشف المزيد من المناقشات مع البنوك التجارية التونسية أن هذا يمثل جوهر إدارة مخاطر العملات الأجنبية في تونس.   بعدها قام الفريق بوضع منهجية قوية تضم عنصرين رئيسيين: (1) تحليل إحصائي لتقدير تركيبة السلة لفترة زمنية محددة، و(2) حسابات لتحديد سعر عادل يرتبط بهذه السلة من العملات.

تلقت الإدارة العامة للتصرف في الدين العمومي عدة جلسات تدريبية أعدت خصيصا لها في تونس العاصمة عن المنهجية.  جرى متابعة المسؤولين في الإدارة عن بعد من خلال تحليل البيانات والمناقشات حتى شعروا بارتياح في استخدام المنهجية.  

Image

الإدارة العامة للتصرف في الدين العمومي في تونس – تصوير: أنطونيو فيلانديا.

ومن خلال المشورة الدقيقة يمكن لتونس أن تتخذ خيارات أفضل.

والآن تملك الإدارة العامة للتصرف في الدين العمومي في تونس منهجية سليمة لتحديد القيمة العادلة لهذه المبادلات ، والرسوم التي يجب دفعها لهذه العمليات. والأمر متروك للحكومة في اختيار سعر الفائدة لنقله إلى النظام المالي التونسي. ويمكن أن تلعب مخصصات الموازنة وتعديل الرسوم المفروضة على هذه العمليات دورا كبيرا في مساعدة الحكومة في مواجهة المزيد من الصدمات المالية مثل التعرض لمخاطر الصرف الأجنبي.   

Image

LEAVE A REPLY